طالَب معتقلون مصريون على ذمة قضايا حبس احتياطي الحكومةَ بتطبيق الحدود القانونية الجديدة على قضاياهم، مع قرب دخول تعديلات قانون الإجراءات الجنائية حيز التنفيذ في أكتوبر المقبل. ويعد القانون الجديد، الذي أقره البرلمان في نوفمبر الماضي، بوضع سقف زمني لفترات الحبس الاحتياطي.
وأفادت ميدل إيست آي، في تقرير أعدته كاثرين هيرست ونشر في 11 سبتمبر 2026، بأن مجموعة من المعتقلين، طلبت عدم الكشف عن هويتها، وجهت رسالة إلى الحكومة المصرية قالت فيها إنها قضت «سنوات طويلة» رهن الحبس الاحتياطي، ورحبت بالتشريع الجديد، آملة أن يتيح لها استعادة حريتها وحقوقها كمواطنين.
وجاء في الرسالة أن المعتقلين يأملون أن يتيح القانون لهم «العودة مجددًا إلى الحرية وإلى ممارسة حقوق المواطنة»، والمساهمة بصورة إيجابية وبإخلاص في تقدم البلاد والمجتمع في مختلف مجالات الحياة، في حدود ما يسمح به القانون.
وأيّد مدافعون عن حقوق الإنسان مطالب المعتقلين، إذ قالت سمر الحسيني، المديرة التنفيذية للمنتدى المصري لحقوق الإنسان، لـ«ميدل إيست آي» إن المعتقلين يحاولون استباق دخول القانون حيز التنفيذ، مضيفة أنهم يعلنون استعدادهم للالتزام بما تطلبه السلطات، لكنهم يريدون ألا يُستبعدوا من الحد الأقصى لفترة الحبس الاحتياطي.
وأشارت الرسالة إلى أن المعتلقين «طووا صفحة الماضي بكل ظروفه الغامضة وغير المواتية».
وكشف مصدر طلب عدم ذكر اسمه خشية التعرض لإجراءات انتقامية أن أحد الموقعين على الرسالة طبيب يبلغ من العمر 70 عامًا، ويقبع رهن الحبس الاحتياطي منذ أكثر من ست سنوات. وتدهورت حالته الصحية بصورة حادة خلال تلك الفترة، بعدما خضع لجراحة قلب مفتوح.
وقال المصدر إن الطبيب لا يغادر زنزانته ويعاني الضعف والهزال وصعوبة الحركة، دون أن يحصل على الرعاية الطبية اللازمة.
وبعد وقت قصير، أصدر معتقلون آخرون من سجون مختلفة بيانًا حمل عنوان «كفى»، احتجاجًا على ظروف احتجازهم.
وطالب البيان بـ«الإفراج عن جميع المعتقلين»، مندّدًا باحتجاز النساء، وإطالة أمد الحبس الاحتياطي، وإعادة تدوير الاتهامات بعد صدور قرارات الإفراج أو انتهاء مدد الأحكام، واحتجاز الأطفال، والاعتقالات خارج إطار القانون، وحالات الاختفاء القسري.
وقال الباحث السياسي والمعتقل السابق سيف الإسلام عيد، الذي يتواصل مع المجموعة، إن المعتقلين يعتزمون الدخول في إضراب داخل السجون إذا لم تستجب السلطات لمطالبهم.
وأضاف أن أحد الموقعين على الرسائل يبلغ منتصف الثلاثينيات من عمره، ويقضي عامه الحادي عشر في السجن.
آمال كبيرة وشكوك بشأن الإفراج عن المعتقلين
أعربت الحسيني عن تشككها في أن تؤدي التعديلات الجديدة إلى الإفراج عن نحو 60 ألف معتقل سياسي يُقدَّر أنهم يقبعون خلف القضبان في مصر.
وقالت، إن القانون يفترض أن يفرض، عند دخوله حيز التنفيذ، مراجعة أوضاع كل من تجاوز الحد الأقصى المسموح به للحبس الاحتياطي، ثم الإفراج عنهم، مشيرة إلى أن هذه العملية كان يفترض أن تبدأ بالفعل قبل تطبيق القانون.
وتعرض التشريع الجديد لانتقادات حادة من منظمات حقوقية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، التي وجهت رسائل أعربت فيها عن مخاوفها بشأن مشروع القانون.
وفي سبتمبر من العام الماضي، أعاد رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي مشروعًا أوليًا للقانون إلى البرلمان لإجراء تعديلات عليه، بعد انتقادات من منظمات حقوقية ونقابتي المحامين والصحفيين وخبراء أمميين.
وحذر منتقدون من أن المشروع سيوسع بصورة كبيرة صلاحيات الشرطة والنيابة، وقد يرسخ انتهاكات قائمة، من بينها الاحتجاز التعسفي، وتقييد الوصول إلى المحامين، ومنع السفر، وتسريع إجراءات المحاكمات.
وقالت الحسيني، إن النسخة المعدلة التي أقرتها الحكومة في نوفمبر الماضي لا تزال تعاني العيوب نفسها، معتبرة أن وضع سقف زمني للحبس الاحتياطي يمثل التعديل الإيجابي الوحيد.
وأضافت: «عندما أعاد السيسي مشروع القانون كنا نتوقع نسخة أفضل، لكن ذلك لم يحدث»، معتبرة أن الخطوة بدت أشبه بإشارة من الرئيس إلى أنه يستمع إلى المخاوف، دون أن تعالج جوهر المشكلة.
وقالت إن القانون كان يفترض أن يعالج المشكلات القائمة في التشريع الحالي، لكنه أصبح «أكثر إشكالية».
إعادة تدوير الاتهامات تترك المعتقلين خلف القضبان
لا يعالج النص النهائي للقانون ممارسة «تدوير» الاتهامات ضد المعتقلين، وهي ممارسة تتيح للسلطات توجيه اتهامات متطابقة أو جديدة إلى المعتقلين بعد انتهاء مدة أحكامهم، بما قد يبقيهم خلف القضبان بصورة لا نهائية.
وأوضحت الحسيني أن القانون الجديد يسمح للشرطة بإجراء الاستجوابات دون حضور محامٍ، رغم أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يكفل الحق في الوصول في الوقت المناسب إلى المساعدة القانونية خلال جميع مراحل الإجراءات الجنائية.
وقبل إقرار القانون، أحالت الحكومة المصرية آلاف الأشخاص إلى المحاكمة بين أكتوبر 2024 ويناير 2025، ما يعني أنهم لم يعودوا يُصنفون رسميًا باعتبارهم معتقلين على ذمة الحبس الاحتياطي.
وقالت الحسيني إن رسالة المعتقلين تعكس «اليأس» من استبعادهم من الإصلاحات المرتقبة، مضيفة أن الحكومة المصرية «تتلاعب منذ سنوات بفكرة الإفراج عن المعتقلين احتياطيًا».
ولم تؤدِ تعهدات سابقة للسلطات المصرية بمعالجة أزمة الحبس الاحتياطي، من بينها إنشاء لجنة للعفو الرئاسي تُفرج بصورة دورية عن دفعات من المعتقلين، إلى تأثير كبير على أعداد المعتقلين.
وأشارت الحسيني إلى أن اللجنة ساعدت في الإفراج عن «عشرات» المعتقلين، في حين لا يزال نحو 60 ألف معتقل على ذمة قضايا الحبس الاحتياطي خلف القضبان.
ولا تنشر الحكومة المصرية بيانات عن أعداد المعتقلين احتياطيًا، فيما قدّر تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية في عام 2022 عدد نزلاء السجون في مصر بنحو 120 ألف شخص، مع تقديرات تشير إلى أن المعتقلين احتياطيًا يشكلون 33.3% منهم.
وأشارت منظمات حقوقية إلى غياب الشفافية بشأن عمل لجنة العفو الرئاسي، واتهمت أعضاء فيها بإصدار «قوائم عفو وهمية» تعلن الإفراج عن معتقلين سياسيين، بينما تكون النيابة قد جددت حبسهم في الواقع.
وقالت الحسيني إن مصر قدمت التشريع الجديد للاتحاد الأوروبي باعتباره خطوة لتهدئة المخاوف التي أثارها الاتحاد والأمم المتحدة بشأن تزايد أعداد المعتقلين على ذمة الحبس الاحتياطي.
وأضافت أن هناك توقعات كبيرة بالإفراج عن آلاف الأشخاص بمجرد دخول القانون حيز التنفيذ، لكنها أكدت أنها لا تزال متشككة في حدوث ذلك.
ومن المقرر أن تصرف المفوضية الأوروبية الدفعة الأخيرة من حزمة مالية غير مسبوقة لدعم الاقتصاد المصري المتعثر في ديسمبر المقبل، أي بعد دخول التشريع الجديد حيز التنفيذ بعدة أشهر.
وانتقد ناشطون حقوقيون هذه الخطوة، قائلين إن الاتحاد الأوروبي قدم سلسلة من التنازلات لمنح القاهرة «شهادة براءة» في ملف حقوق الإنسان وتمرير حزمة المساعدات الهادفة إلى الحد من تدفقات الهجرة إلى أوروبا.
ورجحت الحسيني أن يراجع الاتحاد الأوروبي أعداد المعتقلين على ذمة الحبس الاحتياطي قبل صرف الدفعة الأخيرة من التمويل.
سجون مصر تتحول إلى «صندوق أسود»
تأتي رسائل المعتقلين في ظل تعتيم واسع على المعلومات المتعلقة بأوضاع السجون المصرية.
وقالت الحسيني إن السلطات استهدفت، منذ منتصف عام 2024، مدافعين عن حقوق السجناء وأفرادًا من عائلات المعتقلين، عقب تقارير عن إضرابات عن الطعام نفذها معتقلون احتجاجًا على أوضاعهم في سجن بدر، إلى جانب تزايد أعداد الوفيات بين السجناء.
وأضافت أن السجون المصرية تحولت منذ ذلك الحين إلى «صندوق أسود»، مع ندرة المعلومات التي تصل من داخلها.
وقالت إن المحامين لا يستطيعون الوصول إلى السجون، فيما تُمنع عائلات المعتقلين الذين تعتبرهم السلطات مصدر خطر من زيارتهم.
https://www.middleeasteye.net/news/egyptian-detainees-issue-call-government-apply-new-caps-pretrial-detention

